الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
635
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
في القسم ، علما منه سبحانه بما النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة سواء كان الحق عليها أو لها ، وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، إذ جعل حكمه حكمه ، وقضاءه قضاءه ، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه ، والانقياد لأمره ، ولم يقبل منهم الإيمان بإلهية حتى يذعنوا لأحكام رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، لأنه كما وصفه به ربه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » ، فحكمه حكم اللّه ، وقضاؤه قضاء اللّه ، كما قال : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ « 2 » وأكد ذلك بقوله : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 3 » . وفي الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره ، وتفخيم أمره - صلى اللّه عليه وسلم - وهي قوله تعالى : وَرَبِّكَ « 4 » فأضاف نفسه إليه ، كما قال في الآية الأخرى : كهيعص ( 1 ) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا « 5 » فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد ، وأضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين وتفاوت ما بين الرتبتين . ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم الظاهر فيكونوا به مؤمنين ، بل اشترط فقدان الحرج - وهو الضيق - من نفوسهم في أحكامه - صلى اللّه عليه وسلم - ، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها ، وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار ، ووجود الأغيار ، فعنه يكون الحرج وهو الضيق ، والمؤمنون ليسوا كذلك ، إن نور الإيمان ملأ قلوبهم فاتسعت وانشرحت ، فكانت واسعة بنور الواسع العليم ، ممدودة بوجود فضله العظيم ، مهيأة لواردات أحكامه مفوضة له في نقضه وإبرامه . انتهى . وقال سهل بن عبد اللّه : من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع
--> ( 1 ) سورة النجم : 3 ، 4 . ( 2 ) سورة الفتح : 10 . ( 3 ) سورة الفتح : 10 . ( 4 ) سورة النساء : 65 . ( 5 ) سورة مريم : 1 ، 2 .